أبو نصر الفارابي
119
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
ولا يرأس بها أصلا . فكذلك ليس يمكن أن تكون صناعة رئاسة المدينة الفاضلة أية صناعة ما اتفقت ، ولا أية ملكة ما اتفقت « 1 » . وكما أن الرئيس الأول في جنس لا يمكن أن يرأسه شيء من ذلك الجنس ، مثل رئيس الأعضاء ، فإنه هو الذي لا يمكن أن يكون عضو آخر رئيسا عليه ؛ وكذلك في كل رئيس في الجملة . كذلك الرئيس الأول للمدينة الفاضلة ينبغي أن تكون صناعته صناعة لا يمكن أن يخدم بها أصلا ، ولا يمكن فيها أن ترأسها صناعة أخرى أصلا . بل تكون صناعته صناعة نحو غرضها تؤم الصناعات كلها ، وايّاه يقصد بجميع أفعال المدينة الفاضلة . ويكون ذلك الانسان انسانا لا يكون يرأسه انسان أصلا ؛ وانما يكون ذلك الانسان انسانا قد استكمل ، فصار عقلا ومعقولا بالفعل . وقد استكملت قوته المتخيلة بالطبع غاية الكمال على ذلك الوجه الذي قلنا ، وتكون هذه القوة منه معدّة بالطبع لتقبل ، إما في وقت اليقظة أو في وقت النوم ، عن العقل الفعّال الجزئيات ، إما بأنفسها وإما بما يحاكيها ، ثم المعقولات بما يحاكيها . وأن يكون عقله المنفعل قد استكمل بالمعقولات كلها ، حتى لا يكون ينفي عليه منها شيء ، وصار عقلا بالفعل « 2 » . فأي انسان استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها ، وصار عقلا بالفعل ومعقولا بالفعل ، وصار المعقول منه هو الذي يعقل ، حصل له حينئذ عقل ما بالفعل رتبته فوق العقل المنفعل ، أتم وأشدّ مفارقة
--> ( 1 ) رئاسة المدينة تقتضي ملكة فطرية وملكة إرادية . ( 2 ) رئيس المدينة انسان استكمل عقله ومخيلته .